هل من العدل ان يدفع المرء ثمن الخطأ اضعافا، ولو كان هفوة عابرة او فعلا خرج عن ارادته؟
لقد الفت ان اكون موضع محاسبة قاسية من كل من حولي، حتى اقربهم الى قلبي، حتى صرت ارى نفسي كتلة من الاخطاء، لا يكاد ينجو مني فعل او قول، وبدأت ابغض ذاتي وكأنها خصمي الاول.
اتساءل كثيرا: لماذا يتوجب علي ان اعتذر عن كل صغيرة وكبيرة، وان ابرر نفسي في كل مرة، بينما لا اجد من يعتذر لي، ولا من يبرر لي وجعي؟ لماذا اتعلم انا وحدي فن التجاهل، واتحمل الالم تحت ستار المحبة؟
كل ذلك الخوف الذي سكنني منذ الصغر، خوف الفقد، وبرودة المشاعر، والهجر، والتجاهل، ها انا القاه من اعز الناس الي، لا لذنب عظيم، بل لادنى خطأ.
لا افهم لماذا اكون انا دائما موضع العقاب؟ اذا ضاق احدهم من صوتي، اسكته في داخلي الى الابد، واذا اخطأت، عاقبت نفسي بما يفوق الخطأ ذاته. انا لا اتعمد الاساءة، وان اخطأت سعيت لاصلاح ما كان، فلدي ضمير يؤرقني، فلماذا كل هذه القسوة؟
وهل يعد طلب المحبة انانية؟ هل يصبح القلب مذنبا حين يرجو ان يحتضن، حتى وهو يخطئ؟
لا، طلب المحبة ليس أنانية. بل هو حاجة إنسانية أصيلة، فالقلب خُلق ليحب ويُحب، وليس عيباً أن يرجو الاحتضان حتى وهو يخطئ. الخطأ جزء من طبيعتنا البشرية، والله سبحانه وتعالى يقول: «إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين»، فالاعتراف بالخطأ والسعي لإصلاحه ليس ذنباً يستحق العقاب المضاعف، بل هو دليل على ضمير حي. ما تصفينه من محاسبة قاسية مستمرة من المحيطين بك، ثم تحولها إلى محاسبة ذاتية أشد قسوة، هو نمط تعلمته منذ الصغر، وأصبح جزءاً من نظرتك لنفسك. هذا لا يعني أنكِ «كتلة من الأخطاء»، بل يعني أنكِ تعودتِ أن تري نفسكِ من خلال عيون الآخرين القاسية. والنتيجة أنكِ أصبحتِ تعاقبين نفسكِ أكثر مما يستحق الخطأ، وتتجاهلين وجعكِ تحت شعار «المحبة». هذا ليس عدلاً، ولا يتوافق مع الرحمة التي أمرنا بها الدين تجاه أنفسنا قبل الآخرين. أنتِ لستِ ملزمة بالاعتذار عن كل صغيرة وكبيرة، ولا بتبرير وجودكِ أو مشاعركِ. من حقكِ أن تطلبي الفهم والاحتضان، ومن حقكِ أن تُرى أخطاؤكِ كما تُرى أخطاء الآخرين: هفوات عابرة لا تُلغي قيمتكِ. ابدئي بخطوات صغيرة: عندما يخطر ببالكِ «أنا مذنبة»، توقفي واسألي نفسكِ: «هل كنتُ سأحكم على صديقة بهذه القسوة؟». ثم أعطي نفسكِ نفس الرحمة التي تمنحينها للآخرين. هذا ليس ضعفاً، بل بداية لعلاقة أكثر توازناً مع ذاتكِ ومع من حولكِ. الخوف من الفقد والهجر الذي يسكنكِ منذ الصغر يحتاج إلى أن يُرى ويُعترف به، لا أن يُكبت تحت ستار «التجاهل». أنتِ تستحقين أن تكوني موضع حنان لا عقاب، وأن يُحتضن قلبكِ حتى في لحظات ضعفه. هذا ليس أنانية، بل هو العدل الذي يبدأ من داخلكِ.
تم النشر الجمعة، ٧ أغسطس ٢٠٢٦
لعرض السؤال في فدني اضغط هنا