فتور عاطفي تجاه والدي بسبب الغياب الطويل

والدي مسافر منذ نحو عشر سنوات للعمل خارج البلاد، وقد تركني في مصر عندما كنت في الحادية عشرة من عمري، وأنا الآن في الحادية والعشرين. علاقتي بوالدي جيدة، وهو يحبني ويحب أسرتنا، وأنا أعلم أن ظروف العمل هي التي أجبرته على البقاء بعيدًا عنا، وليس لأنه لا يريد أن يكون معنا.

خلال هذه السنوات كان تواصله معي هاتفيًا فقط، تقريبًا مرة واحدة في الأسبوع، وكان يعود إلى مصر في إجازة مرة كل سنتين تقريبًا، وتكون إجازته قصيرة جدًا، غالبًا أقل من شهر.

مع مرور الوقت، اضطررت إلى الاعتماد على نفسي في كثير من الأمور التي كنت أتمنى أن يكون والدي موجودًا بجانبي فيها. مررت بمواقف وظروف صعبة، واجتزت مراحل التعليم المختلفة دون وجوده إلى جانبي بشكل فعلي، كما تحملت مسؤوليات تجاه والدتي وإخوتي في سن مبكرة.

أشعر أن كل ذلك جعلني أتأقلم تدريجيًا مع فكرة أنني لا أملك أبًا حاضرًا في حياتي اليومية، بل أصبحت أحيانًا أشعر وكأنني أنا المسؤول عن إخوتي، وكأنني ألعب دور الأب بالنسبة لهم.

المشكلة التي أشعر بها الآن هي أن مشاعري تجاه والدي أصبحت ضعيفة أو جافة من الناحية العاطفية. لا أشعر تجاهه بالحب أو الخوف أو الاهتمام بنفس الدرجة التي أشعر بها تجاه والدتي. والدتي عشت معها طوال حياتي، وأشعر بقرب شديد منها؛ أحب الجلوس معها والحديث إليها، وأخاف عليها وأهتم بها بشكل كبير. أما والدي، فبسبب غيابه عن حياتي لمدة عشر سنوات، أشعر أنني أصبحت بعيدًا عنه عاطفيًا رغم احترامي الشديد له وعدم إساءتي إليه أو التقليل منه بأي شكل.

أنا لا ألوم والدي، وأدرك أن ظروفه هي التي دفعته إلى الغياب، كما أنني أعلم أنه يحبني. لكنني أشعر بالذنب بسبب ضعف مشاعري تجاهه، وكأنني شخص عاق أو جاحد، مع أنني لا أتعمد ذلك ولا أستطيع التحكم في مشاعري.

سؤالي:

هل من الطبيعي أن يحدث هذا النوع من الفتور أو الجفاف العاطفي تجاه الأب نتيجة الغياب الطويل وعدم وجود علاقة يومية معه؟ وهل يعني ضعف مشاعري تجاه والدي أنني لا أحبه أو أن هناك مشكلة في شخصيتي أو في علاقتي به؟ وكيف يمكنني التعامل مع هذا الشعور بالذنب، وهل يمكن إعادة بناء القرب العاطفي بيننا بعد كل هذه السنوات؟

سؤال من احد أعضاء فدني

تم النشر الاثنين، ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦

1 إجابة

أخي، ما تشعر به طبيعي تمامًا ولا يعني أنك شخص جاحد أو أن فيك مشكلة. الروابط العاطفية بين الأبناء والآباء تُبنى على التفاعل اليومي والحضور المستمر، وليس فقط على النية الطيبة أو الحب المجرد. عشر سنوات من الغياب الطويل، حتى لو كان بسبب ظروف العمل، تجعل الدماغ يتكيف مع غياب الشخص كجزء من الحياة اليومية، فيصبح الشعور بالقرب أضعف تدريجيًا. هذا لا ينفي احترامك له أو تقديرك لتضحياته، بل هو نتيجة طبيعية لعدم وجود علاقة يومية حقيقية. ضعف المشاعر لا يعني أنك لا تحبه. الحب ليس دائمًا شعورًا قويًا ومباشرًا مثل الذي تشعر به تجاه والدتك؛ أحيانًا يكون حبًا هادئًا يظهر في الاحترام والرغبة في عدم إيذائه. كثير من الشباب الذين مروا بظروف مشابهة يصفون نفس الفتور، وهو ليس دليلاً على خلل في الشخصية، بل على تأثير الغياب الطويل على الرابطة العاطفية. الشعور بالذنب الذي تعاني منه شائع أيضًا، لكنه غير مبرر؛ أنت لم تتعمد هذا الفتور، ولا تستطيع التحكم في مشاعرك بشكل كامل. للتعامل مع الذنب، ركز على أن الإسلام يشدد على البر بالوالدين من خلال الأفعال والكلام الحسن، لا على شدة المشاعر فقط. يمكنك إعادة بناء القرب تدريجيًا بطرق عملية: زد من تواصلك الهاتفي بمبادرة منك، شاركه تفاصيل يومك أو قراراتك حتى لو كانت بسيطة، واسأله عن تجاربه وآرائه لتشعره بأهميته. عندما يعود في الإجازة، حاول قضاء وقت نوعي معه في أنشطة مشتركة بدلًا من الانتظار حتى يبادر. مع الوقت والجهد المستمر من الجانبين، يمكن أن يعود الدفء تدريجيًا، لأن العلاقات قابلة للإصلاح إذا بنيت على التواصل الصادق. يمكنك البحث عن أسئلة مشابهة على فدني للحصول على تجارب أخرى.

تم النشر الاثنين، ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦

0 تعليق

لعرض السؤال في فدني اضغط هنا

عندك مشكلة؟ محتاج استشارة؟ فدني مجتمع يساعدك في حل مشاكلك ويجيب عن أسئلتك